افتتاح بيت الياس أبو شبكة في الذوق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

افتتاح بيت الياس أبو شبكة في الذوق

مُساهمة من طرف misslebanon في الجمعة يونيو 13, 2008 5:41 pm

حصار الأبد: متحف الشاعر الياس ابو شبكة في الذوق يرى النور بحضور حشد سياسي وثقافي
شادي علاء الدين من بيروت: يصر الشعراء دوما على التأكيد انهم بلا منازل ولا أوطان ولكنهم يبددون حياتهم كلها في مديح الأوطان والحنين إلى المنازل وخاصة تلك المنازل الأولى حيث ولدوا وتلقفوا شرارات اللون والضوء الاولى . هذه المفارقة هي اللعبة الشعرية بحد ذاتها فالحنين يحتاج إلى مادة وإلى موضوع والوطن يحتاج إلى إنشاء فلا تستقيم صورة الوطن في مساحة جغرافية كاملة المعنى ومتكررة وإلزامية.الشاعر يحس في نفسه دائما نقصا في العاطفة وفي فكرته عنها فيعمد دائما إلى توسيع حدودها وبنائها من لحظة الصفر.هكذا يكون حب الوطن مشروع حياة لا مجرد استعادات للمألوف والعادي . يجب أن يكون حب الوطن معجزة تصنع في كل لحظة ولا تتبدد في المألوف والشائع وإلا فإنها سوف تحمل أخطائه ولا تستفيد من تكراراته الخطابية. الوطن ليس مسرد تفاصيل بل هو منجم الدهشة وبستان الفرح والغبطة ولا يعني تمركز البيت فيه سوى تنظيم العلاقة بالدهشة والفرح أي بالشعر.
تلجأ الحكومات في كل البلاد إلى حراسة بيوت الشعراء والأدباء ونحويلها إلى متاحف تنتشر فيها تلك الروح الكونية الإنسانية العامة التي تعني انتماء البلاد إلى الحيز الإنساني العام وتشكل وثيقة تثبت هذا النزوع الإنساني وتؤكد عليه. لا شك أن البلاد التي تهتم اهتماما كبيرا بصيانة بيوت شعرائها وتحويلها إلى متاحف هي البلاد التي تطمح إلى قراءة حاضر وجودها وسالف تاريخها انطلاقا من هذه اللحظة فيصبح بيت الشاعر بيت الوجود الحاضر والتاريخي والمستقبلي للأمة جميعا وهو خلاصة هداياها للإنسانية كلها. لذا يمكن أن نقول إن افتتاح بيت الشاعر الياس أبو شبكة في الذوق يمثل في هذه اللحظة رسالة جميلة تعلن ان لبنان صاحب وجود ينتمي إلى الإنسانية وتاليا على العالم أن ينظم علاقته به بوصفه مكون أساسي من مكونات الوجود العالمي وليس هامشا يقع في السياسة حصرا.
أحيا حفل الإفتتاح رئيس تحرير جريدة النهار غسان تويني والشاعر أدونيس والروائية فينوس غاتا خوري والمغنية جمانة مدور والشاعر جوزف حرب وختمت بكلمة رئيس بلدية الذوق نهاد نوفل الذي شرح ظروف إنجاز العمل وشكرلمهندس الديكور جان لوي منغي وألبسه عباءة زوقية مشغولة على النول وقدم له درع بلدية الزوق.
بدا غسان تويني متعبا وميالا للمزاح فحفلت كلمته بالإشارات والقفشات السياسية وبالأخطاء النحوية. ناقش أفكار الشاعر المتعلقة بأن العرب نقلوا العقل إلى الغرب وأورد مقطعا من كتابه روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة يقول :"لعدة قرون خلت بدأ الأوروبي يؤمن بسلطة العقل وقد تعلم ذلك من العرب الذين وضعوا العقل فوق السلطة وقالوا بوجوب استخدامه حكما عاليا في الفصل بين الحق والباطل .لكن خروج الحضارة العربية من أوروبا أبقى الباطل في الجزء الاكبر من أوروبا حتى في عهد الإنبعاث. فالبورجوازية من جهة والريف من جهة أخرى بقيا متشبثين في مقاومة ثقافة من شأنها قلب القواعد القائمة بطنا لظهر"
لا يوافق تويني تماما على ما كان الشاعر قد أكده في هذه المقولة ويعتبر أن العقل قد انتقل من الشرق إلى الغرب بشكل حزمة أفكار تضمنتها الكتب التي ترجمت في جبلا لبنان وفي اللاذقية وذكر بان الإغريق والفلاسفة هم الذين كانوا أسياد العقل.
الصراع بين الشرق والغرب هو راسم المصائر وحاكم الأقدار بالنسبة لتويني الذي يختم كلامه بهذه الخلاصة .
لم يعمد الشاعر والباحث أدونيس إلى تقديم معلومات بل طرح إشكالية تتعلق بسؤال الهوية ومحددااتها بالنسبة للبنان وهل تتحدد ملامح هذه الهوية بالسياسة والإيديولوجيا أم بالشعر والثقافة؟
يجيب عن هذه الإشكالية بجملة ملاحظات يرسم فيها دور الشعراء وخاصة أبو شبكة بوصفهم صناع وعي خاص شامل وكوني ومندفع دوما باتجاه المستقبل لأنه"لا يلتمس وعيه لذاته في التقليد ، أعني في الدين بحصر المعنى،أو في السياسة ،بحصر الدلالة،وإنما يلتمسها في الشعر".يذكر بأن لبنان كان دائما متميزا في خلق حالة المعرفة /الشعر وهو متفوق في هذه الموضوع على كل البلاد العربية ف"حتى على المستوى الكم العددي ، كان لبنان الصغير في عدد سكانه ، كبيرا في عدد شعرائه.ففيما كنا نستطيع أن نعد إثنين أو ثلاثة بين الشعراء الكبار في أكبر بلد عربي ،كنا نستطيع بالمقابل أن نعد عشرة شعراء كبار أو أكثر في لبنان."
لقد استطاع أبو شبكة وسواه من الشعراء تأسيس فردية ناجية من سلطة القطيع وسلبيته ومنظومة أفكاره الجامدة ورفضا لتغلب الواقع على المخيلة.
ربما تكون كلمة الشاعر الفرنسي باتريس دولاتور دوبان "البلاد التي لا أساطير لها تموت من البرد" هي أكثر ما يصلح لتوصيف نزوع أبو شبكة برأي أدونيس وخاصة في مجموعته "افاعي الفردوس".
يصنع الشاعر دفء بلاده ويخلص الواقع من حدوده ويفتح بوابات المستحيل ويكثف الرموز فيكون وحيا مباشرا غير منقول من غيب متعال ولكنه نهر دهشة لا يكف عن الجريان مستعملا كل ما يجده في طريقه مدخلا إياه في غبطته التي لا تنتهي.
إشكالية الخرائط هي الإشكالية التي تشغل بال الروائية فينوس خوري غاتا فهي تتوقع ان :"يجيء يوم يعدل فيه علماء الجغرافيا عن رسم حدود القارات والمحيطات ،فيرسمون حدود الأوطان بحسب أماكن الحب عند الشعراء"
تتحدث عن إنتقائية الذاكرة وتخصصها بحفظ ما ينتقيه الإنفعال والعاطفة لذلك يكون ممكنا أن يتعرف الشاعر على بيت حبيبته غلواء من إشارات شعرية لا يجيد قراءتها إلا الشعراء وهكذا تصبح الصور الشعرية علامات محفورة في تربة الشغف والإنفعال فما رسمه الشاعر في قصيدته هو ما يبحث عنه دائما وهو ما سيجده على ىالدوام . هكذا لا يمكن أن يكون هناك ثمة طريق واضح ومألوف يقود إلى بيت الحبيبة . بيتها يجب أن يكون منزل السر لذا فهو مطوق بلهاث المداخن المتصاعد من مدفأتها ورجفة نور القنديل على شباكها.
تعرض الروائية لظاهرة تكرار مفردة بعينها عند الياس أبو شبكة هي مفردة الجحيم فتعتبر أن هذا التكرار لا يهدف إلى توكيد معنى هذه المفردة ونشر ظلالها بل إن تكراها هو تكرار استنفاذي يهدف إلى إرهاقها وتفريغها حتى تنطفئ ويبرز الضوء بعد التخلص منها وهو شبيه بهذه الناحية بالشاعر الفرنسي بودلير الذي كان يكرر المفردات فيرهقها فيتخلص من سلطتها ويفكك حزنه ويأسه في تبددها.
وحدهم الشعراء يجيدون مضاعفة أعمارهم هذا ما تخبرنا إياه فينوس خوري غاتا في خلاصة كلامها.
بنت الذوق الفنانة جمانة مدور تضيء الأمسية بجماليات الشجن بقصيدة لالياس ابو شبكة قام بتلحينها جوزف خليفة . يقال إن هذه القصيدة كتبتها ليلى التي كانت حبيبة الشاعر في مرحلة معينة فقد طلب منها الإعتكاف في إحدى الروابي المقابلة للوادي المطل على المدرج الروماني حيث يقام الإحتفال فكانت نتيجة هذا الإعتكاف كتابة ثلاثين رسالة بالفرنسية اختار منها الشاعر رسالة وترجمها شعرا إلى العربية .
تقول كلمات هذه القصيدة :
حبيبي على هذه الرابية /أحس خيالك يرقى بيه
سأغلق إلا على ما تحبّ/ روحك قلبي وأهدابيه
فما دفّق الشعر من أصغريك/ تجمّع في هذه الناحية
أراه على المنحنى والخليج/ وفي هذه الغابة الجارية
حبيبي على هذه الرابية/ أقرب للحب إيمانيه
إذا هجر الحب دنيا القلوب / فما تنفع الحطم الباقية
هذه القصيدة بعنوان الناسكة وقد نشرت في ديوان "نداء القلب"
يرفض الشاعر جوزف حرب رفضا قاطعا فكرة أن يكون الشاعر الياس أبو شبكة قد مات وان منزله قد صار إلى التراب. يستحضر روحه ويغنيها بقصيدة بعنوان "المخلص الكحلي" يقول فيها:"ما ضمه في الأرض ملتحده/ لما توفي ضمه أبده / واترك سؤالك عن منازله / إلا ببيت الشعر لا تجده / سل أين بيت الشعر؟/ هل رحلت في الكون روحك؟ / إنه بدده/ هو شاعر، والكون حسبك من / رحم الدواة بحبره يلده/ ويدان كونتا الوجود:/ يد الله الموشح بالرؤى ويده"
ليس الشاعر برأي جوزف حرب هو من يتلقى هبة الخلق ويكتفي باستهلاكها والعيش عليها بل هو من لا يقبل إلا أن يكون مشاركا في فعل الخلق لذا فإن الخالق لا يموت ولا يستقبله إلا الأبد فقط فهو مشارك في تصميم اتساعه اللا متناهي لليستطيع أن يستقر فيه.
الشاعر قرين الغربة والحزن ودواته كبدته والريح مستنده ولا يمكن رصد حلوله ومراقبة تحولاته. لذا يحذر جوزف حرب :"لا تقترب ،إذ ليس بعد به/ من جسمه ما انت تفتقده/ حتى إذا جاء جاءت حبيبته/ ألكل جاء ، ولم يجئ جسده"
تحويل بيوت الشعراء إلى متاحف محاولة جريئة لحصار الأبد نحتاجها كثيرا نحن أبناء البلاد التي تفقد في كل لحظة زمنها الخاص وتعيش في أزمنها المستعارة.
avatar
misslebanon
Admin
Admin

انثى
عدد الرسائل : 524
العمر : 34
تاريخ التسجيل : 16/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lebcool.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى