العروي: لابد من تحرير العلم والسياسة من السنة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

العروي: لابد من تحرير العلم والسياسة من السنة

مُساهمة من طرف misslebanon في السبت يوليو 19, 2008 4:48 pm

المفكر المغربي الكبير عبد الله العروي يعود إلى السنة والإصلاح..
إسماعيل بلاوعلي: يضع المؤرخ والمفكر عبد الله العروي، في كتابه "ثقافتنا في ضوء التاريخ"، مفهوم "سنة" في مقابل مفهوم "تراديسيون"، ويعرفه قائلا "(...) في تاريخ الكنيسة، فإن الكلمة تعني الاتجاه الفكري الذي اختارته وسارت عليه منظمة معينة. حينئذ تكون الكلمة المقابلة لتراديسيون هي كلمة سنة بشرط أن نتجاوز المعنى المحدود الجاري في الفقه الإسلامي، إذ هناك سنة شيعية وسنة زيدية وسنة أباضية (...) عندما نذكر السنة فإننا نشير إلى منطق ضمني، إلى أحكام واختيارات جرت في فترات متعاقبة قبلت أثناءها أقوال وأعمال ورفض غيرها. إننا نشير بالتالي إلى جماعات وأشخاص كانوا وراء تلك الأحكام والاختيارات، كل جماعة تدعي الوفاء لمن سبقها". ولأن العروي مفكر تاريخاني يهمه مآل المجموعة البشرية التي ينتمي إليها، ولأن هذه الجماعة تحكمها السنة موصدة بإحكام باب الإصلاح، فإنه يغوص في عمق الزمن باحثا أولا عن أصل السنة، ثم يستوقفه الحدث الذي جاء من الغرب ليتجاوز هذه الجماعة ويفرض عليها الإصلاح إن هي أرادت الاستمرار في التاريخ.
أصل السنة
يسلك العروي مستويين في تأصيل السنة، فيتحدث أولا عن إبراهيم الخليل مقررا أن محمد إنما سار على نفس منهج إبراهيم وتضمنت دعوته نفس منطق السنة الإبراهيمية، أي القطع مع تعدد الآلهة وتفضيل إله واحد، فيؤكد أن إبراهيم قطع مع كل الماضي الذي سبقه وألغاه، قبل أنة يهجر قومه ويضرب في الأرض راحلا. غير أنه "مرت قرون عل نداء إبراهيم، تعاقبت الأجيال، كل جيل خص بنبي يذكره وينذره. ومع كل هذا لم يتغير شيء، الفواجع لم تنته والإنسان لن يقلع عن غفلته وكبريائه" يقول العروي. فجاء محمد يحركه نفس الهم وسار على نفس خطى إبراهيم وسنته في محاولة الإصلاح. فـ"القرآن في معناه العام، ترجيعة متجددة، متسارعة، متنامية لنغمة واحدة، ردة عنيفة على صدمة مروعة وكشف مذهل. الكشف عن إخفاق الإنسان"
المستوى الثاني في تأصيل السنة يتمثل فيما حدث بعد النبي واكتمال دعوته. إذ قام أشراف مكة، الذين كانوا المؤهلين منذ البداية للفوز والغلبة بفرض فهمهم الخاص للنص، ووضعوا أسس السنة، أي كيفية تطبيق النص الأزلي على الواقع البشري المتحول.
غير أن السنة لم تتوقف عنذ هذا الحد، فبجانب سنة السنة، تشكلت سنة الشيعة باعتماد الطريقة نفسها التي سار عليها أهل الجماعة. فالشيعة لا يعارضون فكرة السنة بقدر ما يتشبثون بسنة مخالفة. أم االخوارج فإنهم لا يرضون بأية سنة، بأي تقليد مستقر ومتراكم. وهكذا "تتأصل السنة: أولا في واقع تاريخي، وهو ما كان يعمل به في المدينة وما لخصه لاحقا مالك بن أنس في كتابه الموطأ. ثانيا في واقع اجتماعي، وهو نفوذ وتألق أسياد مكة. ثالثا في نص واضح مؤكد، إذ الإسلام يعرف نفسه بالعودة إلى الدين الأصيل، الدين القيم". أكثر من ذلك يسجل العروي أنه "في نهاية القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) لم يعد يوجد عندنا فكر ليس له تقليد خاص به، يخضع له خضوعا تاما. كان لكل جماعة شيخ ولكل مفكر مرشد وإمام. فلم يعد مجال لأية مناظرة صريحة متعمقة مفيدة".
بالموازاة مع ذلك وفي "نقطة معينة من التاريخ، علينا أن نحددها بدقة، يقوم رجال السنة، أنصار التقليد ودعاة الاتباع، بعملية زبر وتشذيب وترتيب. كل ما علا وظهر، أو فاق وفاض، كل ما تجاوز وتعدى، وكل ما لم يقف عند حد معلوم وجب التخلص منه".
والنتيجة؟ "تحت تأثير هذا الضغط الهائل يتعثر التاريخ. ما تبقى له من قوة يستهلكها في ممانعة التغير حتى يحافظ على الوضع المتعثر.
عندها لا يمكن استئناف الحركة إلا بدافع خارجي، دافع دنيوي أعني. قبل أن يحصل ذلك تغزو السنة، أي ذهنية التقليد والاتباع، كل مظاهر الحياة، الفكرية والسلوكية، بل تفرض هيمنتها حتى على من قاوم نشأتها كالخوارج والشيعة ورواد الحكمة. تؤسس كل جماعة سنة خاصة بها، فتتوحد النتائج اجتماعيا وتاريخيا" يلاحظ العروي.
...ثم حدث الحدث
في مقابل نهج الحفاظ على السنة وممانعة التغيير يقف الزمن الذي هو "منبع كل المفارقات التي تواجه المذهب السني، بل كل تفكير تقليدي". فيتحرك التاريخ مجددا: "بز الغرب خصمه بالالتفاف، عبر المحيط، على السد الذي فصل دائما بين المتوسط وآسيا، فأدرك موانئء العالم الأقدم مستدلا على أن الأرض كروية حقا وأن لا خوف عليه مستقبلا من أية مفاجأة مدمرة. عندما حقق هذا النصر كان الغرب قد عاد إلى دهرية القدماء ولم يعد له تعلق بالغيب. احتفظ بما جناه من إيمانه المفقود، الانضباط، الحنكة، الجرأة، لكنه لم يعد يرى نفسه، ولا يعرض لغيره، إلا كتاجر مغامر، تماما كما فعل العرب قبله بقرون عندما اقتحموا مجاهل إفريقيا وزاروا موانئ جوانب آسيا". في مقابل ذلك "تجددت الظروف المواتية لكي تنشأ عبارة جديدة للسنة، عبارة أكثر تجريدا واختزالا وصلابة من سابقاتها، إلى حد أنها تفخر أنها لا تزيد حرفا واحدا ولا نقطة من فوق أو من تحت على ما رواه السلف".
فما العمل؟ قبل الجواب عن هذا السؤال يسجل العروي أن "الاستعمار غزو وتسلط. يفسد القرى ويذل أعزتها. فلا يلبث أن يفجر بمحض وجوده النظيمة الفكرية والعقائدية الخلقية التي عملت السنة طوال قرون على تركيبها وتجليتها. (...) الاستعمار هو الحدث بامتياز، فيه تتجمع محركات التاريخ. لم يعد في وسع أحد تجاهل آثاره. يحل الاستعمار ما عقدته السنة، ينثر ما نظمته، يضيء ما ألحت على طمسه. يقوم بعمليتين متناقضتين: يعيد إلى النور ما ليس بسنة، وفي الوقت نفسه يمنعه من أن يتطور إلى سنة مضادة، إلى بديل".
وإذن؟ " المطلوب في آخر تحليل هو أن نقبل أخيرا، بعد التردد والتحفظ، أن نتعامل مع السنة على أساس ما هي لا على أساس ما تقرر. وما هي هو رفض عنيد للحدث". ولأن القطيعة المنهجية محور الفكر التاريخاني لا يتردد العروي في القول بضرورة "إنقاذ العلم والسياسة، لا من الدين، إذ المفهوم يتطلب كل مرة مزيد من التدقيق، بل من التأويل الذي فرضته السنة، والسنة مؤسسة بشرية، رسمية كانت أم لا، منظمة كانت أم لا، والواجب عام ودائم إذ لاغ نهاية للصراع".
لكن ذلك من شأنه العودة بنا إلى ما قبل الوحي؟ "عكس ما يتبادر لذهن البعض ليس في كلامنا عودة إلى ما قبل الوحي. لو فعلنا ذلك لناقضنا المنهج التاريخاني الذي نقول به. (...) نستبعد العلم والسياسة، فيم نتكلم إذن؟ في معنيهما المشترك. سميه بأي لفظ شئت، سيدتي، أما أنا فإني أرضى بكلمة عادية، متداولة، مفهومة للجميع منذ العهد الهلستيني، أعني لفظة فن بالمعنى الأوسع، الذي يشير إلى النفس وضرورة تهذيبها المستمر.(...) خلاصة السنة لا تتغير: جهالة أو إيمان. خلاصتنا، وعيا بالحال وكشفا عنه، حال بعد-سنة، هي: مجاهدة أو تذوق" يخلص العروي غير متردد في زعزعة الذهنية السنية المطمئنة إلى التقليد والاتباع بدل الابتداع، بدل الانخراط فيما سماه منذ 1967 تاريخ كتابه "الإيديولوجيا العربية المعاصرة": "الأعم المتاح للبشرية جمعاء"... عود على بدء.
avatar
misslebanon
Admin
Admin

انثى
عدد الرسائل : 524
العمر : 34
تاريخ التسجيل : 16/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lebcool.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى