مرثيتان لمحمود درويش

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مرثيتان لمحمود درويش

مُساهمة من طرف misslebanon في الثلاثاء أغسطس 12, 2008 5:08 pm

محمود درويش، شاعر لا يحتاج إلى شهادة، هويته مبدعاً مندسة في ما تركه من أرث كلماته. وموته لا غرابة فيه؛ إذ لا غرابة في الموت قط، لكن الغرابة في أبناء وطنه ممن استبقوا الموت لتمزيق قميصه الذي احترق لأكثر من ستين سنة بجمرة الوطن الضائع.
احترقت لغته بشظايا شعب اغتيل بين دلتا النيل وضفاف الفرات، بين هدير المحيط ومضايق الخليج

لكن هذا الذي تمزّق صوته فوق منابر الشعر، فانطبعت صورته بصوته وهو يتمزق في إنشاد القصيدة، بقيت كفه مفتوحةً من دون أن تُغلّق بحفنة من تراب التأبين الذي يليق.
في هيوستن، حيث ينشغل الأطباء في تجهيز الجسد الذي فارق نظارته لأول مرة، وفارق قصائده ولغته لأول مرة، كان الفلسطينيون قبل غيرهم يجهزون جسد درويش إلى وليمة السكاكين التي شُحِذَتْ في ظلام الفتنة.
درويش كغيره من معظم شعراء العرب، أساء إلى قامته الشعرية عندما انحنى في المربد منشداً ين يدي صدام ووزيره لطيف نصيف جاسم، كذلك أساء يوم انحنى بقامته الحقيقية وبخشوع– صورة فوتوغرافية – ليؤدي التحية إلى محمود عباس الجالس بارتياح على كرسي السياسة العالي.
كلما قارنتُ بين السياسي والشاعر وجدتني أجلد الشاعر على ظهره إذ لا ينظر إلى محرابه الذي تسجد فيه النجوم والأشجار والمطر. السياسي بالنسبة للشاعر مثل القملة في قميص الحرير المذهّب. يوجعني أن الشاعر، بل الكاتب عموماً، لا يعرف كيف ينظر فيرى ذلك المحراب وهذه القملة.
لكن قامة درويش باقية ما بقيت الجمرة متقدة في كلماته وأغصان الزيتون. إبداعه المعجز يشفع له، وقصائده باتت تتناسل قصيدة تنجب أخرى ولن تنتهي، وروحه تخفق كحمامة تشرب من جميع جداولنا وتغفو في رام الله.
الفلسطينيون، الذين بنى لهم درويش وطناً في صوته يتمزق في كلماته، انقسموا بين مفتش عن زلات لسانه لوصمه بوصمة الكفر والإلحاد، ومفتشٍ عنه تحت مظلة السياسي، وآخر مفتش عنه في صوته يتمزق في قصائده وأغصان الزيتون.
حماس وجيشها الثقافي ومريدوها، شرحوا جثته ليفتشوا عن سمّهم فيه وسمّه فيهم. تجمهروا وعربدوا ومن ثم أحرقوا جثته بنار تجديفه. وخالد مشعل الحمساوي، رثاه من حيث هجاه. ما قاله الحمساويون في جثته، لم يجرؤ الإسرائيليون على قوله، قرأتُ في صحيفة (جي بوست) الإسرائيلية المعروفة: موت الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي حرّض على اليهودية والصهيونية، وشعره يثير المشاعر ضدهما. واستعرضت الصحيفة مواقف بعض أعضاء الكنيست حول تدريس شعر درويش للتلاميذ الإسرائيليين، لكن في النهاية نجح درويش في أن يكون شعره يتلى بألسنة من هجاهم وحرّض ضدهم. غزة تغتال الجسد الميت، وإسرائيل تلقّن تلاميذها قصائده، يا للمفارقة المضحكة المبكية!
قراء العالم الذين تُرجم شعر درويش إلى لغاتهم، كانوا يتلمسون فيه كيف ينحر الشاعر نفسه في غصن ذابل من أغصان بلده؟. كيف يذوب وجداً في الأثر من دون أن يظفر بصاحب ذلك الأثر؟. كيف يمزّق جميع الخرائط ويبقي خريطة واحدة، يفرشها وينام عليها لاصقاً خده بخدها. قراء العالم فقدوا مدرسة في حبّ الوطن، وقراء فلسطين رقصوا على جثة درويش كما يرقص الهنود على جثة الضحية.
عندما زرتُ المواقع الفسطينية، لأبحث عن اللوعة في شعب وأرض كانا يرفسان بين ضلوع درويش لأكثر من ستين سنة، رأيتُ بأم عيني ما يصعب قوله وتفسيره، وجدت حال أمة العرب الحزين يرتسم بين تلك الكلمات الداعرة التي قيلت في موت عمود من أعمدة الإبداع العربي. وعلى هامش زيارتي لتلك المواقع، رأيت فجائع المشهد الفلسطيني وخراطيم الفتنة، فتحسستُ كم هو الجرح غائر؟!
قليلة هي الأذرع الي فُتِحتْ دافئةً لاحتضانه، وقليلة هي الألسن التي نطقتْ مرتعشةً لوداعه.
وحدها قصائده بقيت صامتة، فيما كانت فلسطين تفتح ذراعيها لتحضن ذلك المشرد الاحتضانة الأبدية.
****
غالب حسن الشابندر: عن محمود درويش
غالب حسن الشابندر: يمتصُّني حجر، وتناتبني غيمة روح، وينهل من روحي غياث جسد، أ قرا على ظل اسوارنا المثلمة نياح عصفور عشق الحرية، يعاني من غيبة صوت كان يهدر في قلبه مأساة وطن، امارس هواية الجنون، لأغيب متساهلا مع حضوري بخفَّة تاريخ، وتسري في عيوني نسائم العودة إلى ماض مريح، فإن الحاضر قد تكفّن بدثار الوهن، وهن الوجود كله، لم يعد هناك هيولي يتغنى لصورة مرتجاة، بل هي هباءات زمن هو الآخر غادرنا، لم تجد فينا حتى الريح الخاوية فضاء صداها.. هجرتنا... هجرتنا حتى الريح الصفراء، نبتتْ خضرة الموت في قلوبنا لأبدٍ كان يطلبها، فاستجابت طائعة البنان، مصروعة القلب، تتفاخر بموت يطلبها، بل تتفاخر إنّها تستجيب للموت علنا، كأن خضرتها قامت قيامتها على رفات عدمها منذ أن بزغت من رفات عدمها!
يا للموت من هزء يتمادى بخضرة حبنا، ويا للموت من سخرية تشظَّت حربةً ساخنة الدم، محمومة الحقد، واهنة الحياة لانها سخرية باردة الطبع، موصولة الهدم بهيولي الدم، معلولة لأزل ما رحمَ فخره بأنه أزل، يقاوم فناء الوجود، ولكنّه نعى خلوده على رفيف أجفاننا، لثقل روحه من جدب الوهم، فأين مصير هذه الاجساد يا أزل خان ضميره للابد؟
كلماتي خانت لطيف رسالتها، وتخطَّتْ بنا عهود الأمل اليتيم حدودها، ورمت بنا على أعتاب مجهول يتربص بنا هولا ينذر خراب لغة ما نملك غيرها، وتاهت بنا أحلام مشبعة بحلمها ولا أمل! واستعرت أهوال العدم تفرض منطقها على ألسنة كُتِب لها أن تكون شفير كون لا يغادر زمنه، عصي على الظلام، ولكنَّ صوت الناعي كان أمضى، كان زمنه أعمق في داخلنا من ذاك الزمن، فتهاوت مآذن، واستعرت بحار تحرق ماءها، وغارت مسامير الحقد في عيون أطفالنا، وتمزقت نهود العذارى بدبابيس شبق ماجن، وذبلت شفاه الورد من على شفاهنا المحترقة برما د النسيان.
كان شاعر وطن يعيش فيه لا به، وكان الوطن يحترق في روحه ليؤجج نارا لله، ليضيء نار الله، ليمحو عار حبنا الماجن، ويطفيء لوعة دماءنا على قبر دارس، على هامش عظام مرمية لكلب سائب، على أمل خائب، ينعي مستبقبله السليبب، على خرقة كفن مستعارة من قذارة الشيطان!
سجَّل لنا كلمات من وطئ الغربة داخل غربة، وغربته ما فتئت حزينة الحضور على تراب من ذرات حضوره المُشْفق بنا، ومرّ بنا يحني رأسه،هامة قامته، ليحيي ذلك العصفور الذي ينتظر حبات غذائه الساذج من دمع عيوننا، ويسمل عيوننا بكاء ذاك الطير المتتظر، بكاؤه كان مشع النور، حتى وهو يصرخ من عناء الجوع كان يشع دمعا، يشع دمع الحياة، ولكن عيوننا غبشها ظلام نفوسنا، وتهاوت فينا نبضة الإله، لتحل محلها نبضة الشيطان يمارس لعبة الحب المخادع، وارتحل زمن القلب الذي نمشي على نبضه، وفيما هو يمشي على نبضه، وفازت دماء الغدر تمارس لعبتها بفن الحرب ممهورة بتوقيع أساطينها الكبار، وامتنّت أنفاس الموت لصرعة الحياة على صفيحها المسموم من ذات حقدنا.
قرات شعرك طفلا فصرتُ كهلا، وقرات شعرك كهلا فصرتُ طفلا، ما عرفت زمن القراءة في وقتها وأنا أقرا كلمات الموت في الحياة وكلمات الحياة في الموت، جدلية أنت، ولكن أي جدلية هي تلك التي فاضت بها روح قصيدك المتيم بغربة الأبد؟ خبر قبل مبتدا طغى على جسد النحو منذ أن اجترحه اساطين نحونا المسجّى على قدر قاس، متوحش، مظلم، ميت، فعل قبل فاعله منذ أن تسيَّد الفاعل علّة سا بقة بحكم تنقيح عقلنا الساذج المتحجر لحركة الوجود، عقل مغلق، حرّم علينا أن ننطلق من عدم لنشيد وجودا رغم ذاك العدم، مضاف إليه قبل مضافه يجتاز حدود الحجر على الذات الخاوية، يشرئب رغبة الاضافة ما دام زمن يمضي، ناهرا بعنف شفَّاف حكم القدر، مشتقا لنا قدرا جديدا يمجد الخلق ويمقت الإستئكال على أجداث مستقبل مُنتَطر ولا ندري النتيجة.
قرات شعرك وانا ابن العراق الجريح، أضمِّد جروحي، كانت سكاكين قوم قالوا إنّهم يحبوك قد حفرتها في روحي، فيما هم صلبو ا أطفالي على أعواد جلاّدهم، وما شعروا يوما أنّه جلاد أوطاننا بلا فرق بين ترابي وترابك يا من غادر تراب الدنيا كلها، ليلتحف دثار سماء يقولون إنها تضم رفات المبدعين!
نحن قرانا شعرك قبل أن يقرأوه، ونادت به دماؤنا أن يحررنا من سوم قوم أحبوك تجارة حرف، لأننا أحببناك شاعر وطن يعيش فيه لا يعيش به ...
نحن قرأنا شعرك يواسي جراحنا أهدتها لنا جحافل غدر، نكثت غزلها على أجداث حروفك، فما خدعتنا أحابيل حقد عن تلك الحروف وهي مسطرة في شغاف قلبك، وما ماتت على هوامش دفاترنا، بل عشقناها، وتغنينا بها إسطورة لحن أزلي...
جمعتنا الغربة...
ذلك هو السر!
هل تسمع نداءنا وأنت متدثر بدثار سماء أجهل هويتها، ولكن صداها ينفث في صدري أحزانك على من خان صوتك لأنهم خانوا صوتنا على ضفاف الفرات الحزين؟
مت سعيدا...
avatar
misslebanon
Admin
Admin

انثى
عدد الرسائل : 524
العمر : 34
تاريخ التسجيل : 16/05/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://lebcool.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مرثيتان لمحمود درويش

مُساهمة من طرف انس ابن القدس في الجمعة أغسطس 15, 2008 11:13 am

شكرا كتير .... محمود درويش كان عالم بحد ذاته

انس ابن القدس

ذكر
عدد الرسائل : 3
تاريخ التسجيل : 15/08/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى